القاضي عبد الجبار الهمذاني

298

المغني في أبواب التوحيد والعدل

محل أن يدعى المدعى النبوّة ، ويجعل دلالة نبوّته تمكنه من حمل الجبال الراسيات ، وطمر « 1 » البحار ، في أن ذلك إن تعذر على الإنس فقد صار دالا على نبوته ؛ وإن لم نعلم تعذره ، على الجن أو الملائكة . . يبين ذلك أنا نعلم بالسمع في بعض الملائكة ، أنهم يطيرون في الهواء ، وأنهم يتصرفون ضروبا من التصرف ، لو وقع مثلها ممن يدعى النبوّة ، لكان معجزا ؛ ولا يمنع وقوع مثله منهم ، من ذلك ؛ لأن عادتهم ليست معتبرة ؛ وقد بينا القول في ذلك في فصل قد تقدّم ؛ ويبطل بهذه الطريقة قول من قال : إنما يصح كون القرآن معجزا ، إذا ثبت أن الملائكة عجزت عن المعارضة ، وتعذر ذلك عليها ؛ لأنا قد بينا : أن عادتهم غير معتبرة ؛ فتعذرها ، أو تمكنهم منها لا يختلف ، في أنه لا يقدح في حال القرآن ، ولولا الخبر عنه ، صلى اللّه عليه ، أن القرآن كلام اللّه تعالى لجوزنا أن يكون من كلام بعض الملائكة ، وألزمه إنزاله ، كما كنا نجوز أن يكون من كلام النبي ، صلى اللّه عليه ، ومكنه من ذلك بالمعرفة ؛ لأنا قد بينا : إلا أن سائر الوجوه التي يقع القرآن عليها ، لا تخرجه من كونه دالا على النبوّة ، وأنه لا فرق بين أن يكون من فعله تعالى ، أو العلم بكيفيته من عنده ؛ وهذا مما تقدّم في بيانه فصل مشبع . فإن قال : فيجب على ما اعتمدوه ، أن يكون الدليل على نبوّته ، صلى اللّه عليه ، كفر العرب ومعصيتهم ، وهو : عدو لهم عن المعارضة ، إلى المحاربة ، وأن تقولوا : إنه لا يتم الدليل إلا بذلك ، وأيهما كان فإنه يبطل ؛ لأن لقائل أن يقول : أليس النبي ، صلى اللّه عليه ، قد دعا المكلفين كافة إلى نبوته وشريعته ، فلا بد من نعم ؛ فيقال لكم : أفليس دلالته يجب أن تكون صحيحة ، وإن أطاع الكل ؛ كما تجب

--> ( 1 ) كذا في « ص » و « ط » . وقد رجحنا من قبل ، في صفحة 214 ، أنها طمر ؛ وما هنا لا يزال يؤيد هذا الترجيح .